جلال الدين الرومي
400
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )
وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ » ( الزمر / 42 ) ، وليته يحفظها في كنفه ، كما حفظ أرواح أهل الكهف ، أو كما حفظ سفينة نوح من أمواج طوفان ، العالم وطوفان الكفر الذي يحيط بها ، حتى ينمو الضمير ، وتنجو العين والأذن مما يسببه هذا الوعي وهذا العقل والصحو . وكثيرون هم أمثال أهل الكهف يعيشون في كنف الله وتحت حفظه وفي رعايته ، ولا تخلو منهم الدنيا ، هم في غار كنف الله وحفظه ، وهم يعيشون مع الحبيب ، لكنك لا تراهم ، لأن الله قد ختم على سمعك وبصرك ! ! ( 410 - 412 ) : ليست كل العيون جديره بإدراك هذا الجمال ، بل ربما تراه قبحا ، وليلى في المأثور الفارسي رمز الجمال الخالد ، والمجنون رمز العاشق المتيم الواله في الجمال الخالد ، لا يبصره سواه ولا يقدره إلا إياه . . . قال فروزانفر ( مآخذ / 8 ) إن الحكاية التي بين أيدينا وردت في ربيع الأبرار للزمخشري : " دخلت بثينه على عبد الملك بن مروان فقال : يا بثينه ما أرى شيئا مما كان يقول جميل فقالت : يا أمير المؤمنين انه كان يرنو إلى بعينين ليستا في رأسك " ، كما نظم العطار نفس الحكاية التي بين أيدينا في مصيبت نامه . . . ورواها سعدى في كتاب كلستان مستشهداً ببعض الأبيات العربية التي نسبت إلى المجنون ( كليات سعدى ، ص 169 - 170 ) ، وبالطبع ذكرها كل منهم في معرضه بيان معنى من المعاني . ووردت أيضا في مقالات شمس ( ص 105 ) قالت : نعم أن أنا ليلى ولكنك لست المجنون واستشهد بالبيت : وكيف ترى ليلى بعين ترى بها سواها وما طهرتها بالمدامع . والمعنى الذي بين أيدينا أن الخليفة لم يستطع أن يشاهد جمال ليلى ( الجمال الخالد ) ، لأن عينيه مفتوحتان على الدنيا ، وليس عاشقا ناظرا إلى الحقيقة ليدرك مدى جمالها ، بل إن من يلهيه طلب الدنيا ، ويلهث خلفها بسياط المال أو الشهرة ، حتى ولو كانت عن طريق حلال يغمض عينيه عن كثير من متع الدنيا نفسها كالتسامى عن طريق الفن والأدب وخدمة الخلق والعطاء ، فمثل هذا اليقظ يكون في الحقيقة في نوم ولا يستيقظ عادة إلا على كارثه تتم به أو مصيبه تحدث له ، ومن لا يكون متيقظا بالحق وللحق وفي سبيل الحق تكون يقظته سدا أمام تساميه ، وحاجزا أمام اليقظة الحقيقية ، إنه يجعل " روحه " تروح في سبات عميق ، هذا إذا اعترف أن له روحا أصلا ، ويلهث